أعمدة الرأي

غارقون في الكيتش

كيتش مصطلح يليق بنا ، و هو أنك تكون نفاية و لا تعلم أنك نفاية حتى يتم وضعك في المفرغة حسب الكاتب الصافي سعيد ، أما في الأدب الألماني فهي الفن المتدني ، أما عندنا فهو مصطلح يليق أن يطلق على السياسة والسياسيين و الإعلام و الإعلاميين و الحكام و قضاة و مفتيي البلاط .

كلمة “كيتش” (kitsch) دخلت قاموس اللغة الألمانية في منتصف القرن التاسع عشر، اشتُقَّت من كلمة ألمانية هي “Kitschen” التي تعني “جمع القمامة من الشارع”، أو من كلمة أخرى وهي “Verkitschen” وتعني “جعل الشيء رخيصا”، قاموس أوكسفورد عرّف هذه الكلمة بأنها “تقديم شيء لا قيمة له”

إن الكيتش بوصفه الدقيق في حالتنا هو معبر حزين عن أحلام وطن مجهضة ، في التغيير و المساواة المطلقة و العدالة الإجتماعية و العدالة و دولة القانون و السير نحو بلد بلا طبقات و بلا نعرات ، إن هذا الحلم تحوَّل من كفاح واقعي إلى كيتش ، إلى قناع ارتداه كل مناضل وتعالى به على الواقع الصعب بدلا من أن يشتبك معه، لذا هو قناع يُخفي وراءه الموت، لأن مناضلينا صاروا يلتحفون بفكرة مثالية تُغنيهم عن النزول للأرض ومحاولة توصيلها أو خلقها أو تهيئة الظروف لها.
وبحلول النهاية صار أفراد مجتمعنا من المناضلين مومياوات تسكن برجا عاجيا لا صلة لهم بالواقع و بالمجتمع الذي يحاربون لأجله، فتحوَّلت قضية العمر لجيل بأكمله من سبب للعيش، من شيء شديد الأصالة، إلى كيتش رديء، وكل مَن حاول تحريك الماء الراكد ونقد أسطورة الحلم الجميل صار مغضوبا عليه، لأن الكيتش يكره المتسائلين وينفي بلا هوادة أو تسامح كل محاولة لإيقاظ المرء منه، فهو غريزة التجمل ولو بالكذب .

الأزمة في الكيتش أنه يشبه الحقيقة ويرتدي ثوبها ويستعير مصطلحاتها، لكن بقليل من التعمق تجده لا يملك من الحقيقة شيئا، هو فقط ظلّها المبتذل، المبالغة السخيفة في الأدب هي كيتش، وتحويل حدث عفوي إلى “تريند” متعمد هو كيتش، والموضة ذاتها هي كيتش، لأنها ليست اختيارا أصيلا للمرء إنما مجاراة منه لتيار بدأ من مكان ما، رسم جيفارا الثائر الاشتراكي، الذي صنعه مُحب يوما للتعبير عن حالة أصيلة تألّقت لزمن ثم خبت، استُورِد من جديد على هيئة ملصقات دعائية في المقاهي وعلى ظهر الحافلات والدراجات النارية، حتى صار ملصقا يُباع على القمصان من شركات رأسمالية للربح بينما لا يعرف مَن يرتديه مَن هذا الوسيم الذي يشبه الملاك ؟ الذي حارب ذاك الكيتش طوال حياته حتى صارت صورته “كيتشا” ، تلك طريقة كلاسيكية لتحويل أيقونة أصيلة إلى شيء أكثر رداءة، جيفارا صار منتجا رأسماليا للبيع، تلك فكرة مبسطة عن كيفية عمل الكيتش في تحويل شيء أو فكرة لتصير في النهاية عكس الغرض المرجو منها، لتصير وسيلة للتظاهر لا أكثر ، مثله مثل الحراك الذي بدأ ثورة شعبية للاطاحة بالنظام و حوله الكيتش الى تاريخ ميلاد لنظام بنفس الممارسات و بوجوه مختلفة و في بعض الأحيان بنفس الوجوه و سيصبح في المستقبل شعار شرعية للنظام

يرى الفيلسوف الألماني “تورستن بودتز” أن الكيتش لا ينتج بشكل عفوي إنما تقوم عليه الرأسمالية وكل أيدولوجية أو تيار غالب في أي مجتمع. يقوم التيار الغالب ببث الكيتش المُبسط له بدلا من تعقيدات الحقيقة والواقع في الأدب والفن والخطاب اليومي المَعيش ، أما الكيتش السياسي الذي يستخدمه الساسة للتلاعب بمشاعر الجماهير، إذ تبحث الأنظمة الاستبدادية عن توصيل موضوعاتها ببراعة ، عن طريق خلق المطبلين و المبريين و الإعلام المنبطح و في نفس الوقت الكيتش يلحف المناضلين بثوب و قناع الغرور و الثقة الزائدة ليبعدهم عن المجتمع الذي يناضلون من أجله و يصور لهم أنهم أعلى من الجميع فيصور لهم أنهم فوق جبل يرون المواطنين صغارا في حين المواطنين لا يروهم .
يجعلنا الكيتش في النهاية مُتظاهرين بالشيء لا مُمارسين له، نبدو كمَن يقرأ أدب ، نبدو كمثقفين من دون ثقافة ، نبدو مشاهدين فاعلين، نبدوا كمناضلين و أبطال لكن في النهاية لا يوجد شيء حقيقي نفعله لاننا غارقين في الكيتش .
يسخر “تورستن بودز” من الكيتش بقوله: “كوّن بنفسك جملة تبدو ذات معنى ولكنها خالية تماما من أي معنى، وجملة مثل “افعلها” وأنت لا تعرف ماذا تفعل بالضبط هي نوع من بلاغة الليبرالية الجديدة والرأسمالية”.

الكاتب
بن الشيخ الحسين ضياء الدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: