أعمدة الرأي

معتقل الرأي أو معتقل منظومة

بقلم :بن الشيخ الحسين ضياء الدين



إن الاتهام صفة طارئة يوصف بها الشخص بعد توافر مجموعة من الأدلة – الظاهر فيها أنها تذهب إلى إدانته – و هو ناتج عن تضاد بين حماية الحريات الفردية لأن الأصل في الإنسان البراءة من جهة و المحافظة على المصلحة الإجتماعية و النظام العام من جهة أخرى ، هذا التضاد أوقع المشرع قبل الجهة القضائية التطبيقية في حيرة من أمره حيث أن الانسان لازال لم يصدر في حقه بعد حكم قضائي نهائي يدينه و لكن الدلائل و ضغوط مصلحة المجتمع تستلزم التدخل و المساس بحريته و لو بقدر ضئيل ليستوفي معه جهاز القضاء إجراءات البحث و التحقيق لينال المتهم جزاءه إن ثبتت إدانته و تأكدت .
و من هنا برزت فكرة الضمانات و وجدت حقوق للمتهمين حيث أن عدم التأكد من الأدلة جعلت المشرع يسعى إلى تقييد قاضي التحقيق بقيود و إجراءات قصيرة المدة تزداد سعة و ضيق ، تبعا لنوع المجتمع و تطوره العلمي و الثقافي فكلما كان المجتمع متطورا و على قدر من الثقافة زادت الحريات .بالتالي القيود على جهة التحقيق و قلة مدة الإجراءات ، أما إذا كان المجتمع بدائي و على درجة كبيرة من الجهل فإن حرية أفراده تتقلص و يطلق العنان لجهة التحقيق لتقوم بإجراءاتها دون شرط أو قيد إلا ما عد إنتهاك صارخ للحريات الفردية الأمر الذي جعل الإجراءات الجنائية أو الجزائية كثيرة التغيير دون غيرها من القوانين الأخرى .
مما سبق يتجلى لنا أن هذا الوصف الطارئ و المؤقت أي الإتهام هو مرحلة إنتقالية بين وصفين دائمين البراءة إلى إثبات الإدانة .و الإتهام أساسه هو إرتكاب الجريمة و إرادة توقيع الجزاء على المذنب .
و هنا يجب أن نشير إلى أن للنيابة الدور الأساسي في حماية المشتبه فيه و المتهم كون مهمة النيابة تتحقق بالتعاون مع القضاء في إظهار الحقيقة و البحث عن المتهم الحقيقي و ليس مجرد إلصاق الإتهام لأي شخص، فنجدها تسهر على حسن تطبيق القانون سواء كان لصالح المتهم أو الضحية فهي ليست خصم لأحد تؤدي دورها بكل موضوعية و إنصاف و لهذا تسمى بالخصم الشريف و هناك من وصف عمل النيابة بأنها عمل إنساني عندما حل النائب محل الذين كانوا يقومون بإتهام الناس كيدا .
إلا أن ما يطبق الآن يختلف كثيرا على ما سبق ذكره فالنيابة تحولت إلى مهنة إدارية في كثير من الاحيان تحول ما قام به رجال الضبط القضائي أو المؤسسات الأمنية مرفوق بإتهام إلى المحكمة للفصل فيه و هذا ما جردها من الهدف الحقيقي الذي أنشأت من أجله و ما زاد الطين بلة هو المرحلة ما قبل القضائية أو مرحلة التحريات الأولية التي فقدت كل ضمانات للمشتبه فيه التي أقرها المشرعين و أوامر الحبس الإحتياطي التي أصبحت أصل في الإجراءت و ليست الإستثناء و دون مبرر جدي ، فتجد معظم أوامر الإتهام والإيداع تتم بمبرر وجود قرائن و أدلة قوية ضد المتهم دون تحديد هذه القرائن أو الأدلة .
و لهذا تجد القانونيين و المحامين يصفون معتقلي الحراك الجزائري بمعتقلي الرأي رغم أنه متابعون بجرائم قانون عام ، لست من مؤيدي كلمة معتقل الرأي لأنني أرى أن الخلل هنا في النظام التجريمي و أرى أنه يجب رفع التجريم على العديد من الأفعال المرتبطة بالرأي أو بالحريات الأساسية لأنه لا يمكن وصف إنسان بصفة معتقل أو مسجون رأي لإرتكابه لفعل يجرمه القانون ، و بالرغم من ذلك ، إن نظام الإتهام القضائي في حد ذاته أصابه خلل و بحاجة إلى مراجعة فعلية و إصلاحات حقيقية و جوهرية مع الحد من اللجوء المفرط للحبس الإحتياطي .
و كذلك إصلاح المنظومة الأمنية أو قبل القضائية و إدراج ضمانات حقيقية تضمن حقوق المشتبه فيه أثناء مرحلة التحريات الأولية ، لأن الخلل الحقيقي في المنظومة القضائية نتج عن المنظومة الأمنية فمجرد الإطلاع على التهم الموجهة من طرف النيابة التي غالبا ما نجدها مبنية على محاضر الضبطية و الأحكام الصادرة من القضاة نجد أن هناك خلل كبير سواء في الإجراءات القبل القضائية المتبعة من طرف المصالح الأمنية أو من طرف النيابة فلا يعقل إتهام شخص بسلسلة من الجنايات التي تصل فيها الأحكام إلى المؤبد أو الإعدام و حبس المتهم إحتياطيا لمدة تتراوح بين 4 اشهر و السنتين و في نهاية المطاف الحكم براءة و لا تتم معاقبة المتسبب في هذه المأساة .
و عليه إذا فقد الخصم الشريف دوره و هدفه بسبب العين الساهرة و حراس الوطن يجب إنزال مقعد النيابة من منصة المحكمة إلى بهو القاعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: