أحدث الأخبارأعمدة الرأيسياسة

مقري: الجزائر تتجه نحو معالم الدولة الفاشلة

شهاب برس- قال رئيس حركة مجتمع السلم، عبد الرزاق مقري، أن الجزائر تتجه نحو معالم الدولة الفاشلة، وستُحدّثُ الأيام من عنده شك في ذلك، إن لم يقع الاستدراك فورا، وجاء هذا تعليقا منه على التصريحات الاخيرة للرئيس الفرنسي امانويل ماكرون لمجلة “جون افريك”، بخصوص الجزائر.

و نشر مقري مقال رأي على صفحته الرسمية في موقع “فايسبوك” قال فيه” لقد ظننا أن الحراك حررنا إلى الأبد وأنه سيجسد الإرادة الشعبية وسيادتنا النهائية على بلدنا فإذا به تتعمق أزماتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتزيد عليها مخاطر ثقافية لم تكن في الحسبان، لم تسلم منها حتى المؤسسات السيادية، وفي ظل كل هذا تصبح حالة الغموض الشديد بخصوص المستقبل هي السائدة. وعند الوصول إلى هذا الوضع تكشف فرنسا أطماعها علانية وبشكل مباشر للتدخل في شؤوننا وإلحاقنا لعمقها الاستراتيجي في غياب تام للمقاومة الرسمية”.

واضاف “لم يغب الحضور الفرنسي في بلادنا منذ الاستقلال، وذلك من خلال الاستراتيجية الديغولية التي اقتضت خروج الاستعمار شكلا وبقاءه حقيقة من خلال الضباط الذين بثتهم تلك الاستراتيجية، وبواسطة النخب الجزائرية التابعة للاستعمار عمالة أو التابعة ثقافيا المستلبة حضاريا، في مختلف المجالات الإدارية والاقتصادية والتعليمية”.

وتابع “وقد ساعد على تمكن هؤلاء وارتقائهم في مراتب الدولة ومواقع التأثير الصراعات الكبرى التي وقعت بين قادة الثورة والساسة الطامعين في الحكم قبيل وبعد الاستقلال، كما بين ذلك في شهاداتهم العديد من المجاهدين الذين سمعنا منهم مشافهة في عديد المناسبات”.

غير أنه طيلة العقود الماضية تصدى للوبيات الفرنسية وطنيون أصلاء من جيل الثورة وجيل الاستقلال، فحُفظت هوية البلد بشكل عام من مشاريع الاستلاب التي قادها “حزب فرنسا” طيلة سنوات الاستقلال. وحين اعتقدت فرنسا ضمن مشروع غربي شامل، بأنه قد آن الأوان لاستبدال حكام جيل الثورة بغيرهم من المستلبين ثقافيا باسم الديمقراطية اتضح للجميع بأن أصلاء البلد من التيارين الوطني والإسلامي سيظلون هم البديل عن طريق الخيارات الشعبية الحرة، يضيف مقري.

عنئذ تغيرت الخطة وأصبح حجب الديمقراطية عن طريق تشجيع التزوير الانتخابي هو خيار القوى الاستعمارية، واختراقهم الدولة هو المساق المعتمد. و رغم قوة الاختراق والانحرافات الجسيمة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية من قِبل من تداولوا على الحكم منذ انتهاء الاحتلال، بقي نصاب الوطنية والانتماء الحضاري في الجزائر مقبولا و بقيت المقاومة في المجتمع ومن داخل الدولة ذاتها كبيرة، ورغم الاختلافات السياسية العميقة بين أحزاب وشخصيات التيارين الوطني والإسلامي ظلت ساحة الدفاع عن الهوية والسيادة الوطنية ساحة مشتركة بينهم.

ولما اتضح استحالة بيع الجزائر اتجه الاستعمار الجديد وعملاؤه إلى الخطوة ما قبل الأخيرة في الاستراتيجية وهي تحويل الدولة الجزائرية إلى دولة فاشلة، وذلك الذي اتضح جليا في العقدين الأخيرين ونيف، إذ لم يحدث شيء في الجزائر إلا لتفتيت المجتمع واضعاف مؤسسات الدولة، بالتمكين للفاشلين والفاسدين وجعل الفساد المعمم هو قاعد التعامل الأساسية، وتدمير المقدرات البشرية والمادية، وتسخيرها لفائدة الأجنبي، وتحطيم القيم، وإذكاء النعرات الجهوية والهجمات الأيديولوجية التغريبية، ومنع القادة الوطنيين النزهاء المقتدرين من الاقتراب من القرار، واختراق الأحزاب الوطنية وإفراغها من محتوياتها النوفمبرية، وإفساد العملية السياسية برمتها وتيئيس المواطنين من كل الساسة، صالحهم وطالحهم، على السواء، بكسر الرموز وتشويه الجميع، وتسفيه الجمع كله، لإبعاد الجموع عن الاهتمام بالشأن العام حتى يخلو الجو للفاسدين والمستلبين، ولقبر أي مشروع واعد لعتق الوطن، وإبعاد أي فرصة للخلاص. حتى إذا ما تعمقت الهوية بين مكونات المجتمع وبين الحاكم والمحكوم، وانهار الاقتصاد، ولم تصبح الدولة قادرة البتتة على حل الأزمات ورعاية رعاياها يصبح المواطن لا يرى نفسه في وطنه كله فيحتمى بجهته، ثم بقبيلته، ثم بعائلته، ثم ربما بنفسه فحسب، فلا يبقى له شيء من معنى المواطنة، وحين تسقط المواطنة تسقط معها، عند الكثيرين، الوطنية.

ذلك هو حال الدولة الفاشلة، وحين تفشل الدولة في حكم نفسها بنفسها يطمع فيها الأجانب، ويكون من خطّط لذلك هو أول الطامعين فيعرض نفسه للمساعدة، وهو والله لا يريد إلا إلحاق هذه الدولة نهائيا بعمقه الاستراتيجي، دوليا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا، ويكون ذلك هو “استعمار الحماية” و “استعمار الالحاق” الذي يفضله الاستعمار الجديد والمستعمر المتجدد، ليستغل هذه الدولة الفاشلة المسكينة عن بعد، فيستعمل أرضها وشعبها في موازينه الدولية ضد خصومه، وربما يستعمل اللحم والدم والسحم وقودا لحروبه المعلنة وغير المعلنة، وليحوّل أهلها الذين تخلت عنهم الدولة إلى عقول مستخدمة لغير صالح بلدهم، أو يد عاملة رخيصة في بلدهم لشركات رأسمالية استعمارية، محلية وعابرة للقارات، يوشك بعضهما أن يستحكم فيكون أقوى من “سونطراك” المتجهة للأفول، ويوشك بعضها أن يحط رحاله في ديار مغلوبة لن تكون فيها قوانين سيادية تحمي البلاد والعباد وأولها الدستور. لم نصل بعد إلى هذا المستوى ولكن الطريق إليه ممهد وأعناق المتربصين بدأت تتطاول ترقب ضعفنا لتنقض علينا انقضاض الطيور الجارحة آكلة الجيف.

إن الجزائر تتجه نحو معالم الدولة الفاشلة، وستُحدّثُ الأيام من عنده شك في ذلك، إن لم يقع الاستدراك فورا. وحين تصبح الدولة فاشلة لا قدر الله، إما تلحق بالمستعمر الطامع قطعة واحدة، دون الحاجة لوجود عساكر له نحاربهم على أرضنا، أو تُجزّءُ البلادُ لتتداعى عليها الأمم قطعة قطعة.

إنه لم يكن للرئيس الفرنسي الجرأة للحديث عن دعم الرئيس الجزائري في شأن سياسي داخلي لو لم تكن الدولة الجزائرية في وضع سيء لا يسمح لها بالرد عليه، إن هذا الرئيس يتصرف بذهنية استعمارية فجة فيعتبر الجزائر غير قادرة على قيادة نفسها بنفسها، فلا بد لها من الحماية، وهو حينما يتحدث عن دعم الرئيس يَدعمه ضد من؟ هل يدعمه ضد شعبه الذي رفض الدستور؟ أم يدعمه ضد من يعارضه بكل شرعية على مستوى الطبقة السياسية؟ أم هل له معلومات لا يعرفها الشعب الجزائري بما يحدث داخل الدولة الجزائرية؟ أم أنه يعني تحولات اقليمية ودولية له فيها حسابات يحتاج فيها للرئيس الجزائري الذي سبق له أن عبر عن ثقته به في نواياه بخصوص بعض تلك التحولات؟ ضد من يدعمه؟ وما دخله في كل هذا؟ وأي انتقال يريد دعمه؟ أهو الانتقال الذي عليه الدول الافريقية وشعوبها الذين ارتهنتهم فرسا فلم يفلتوا منها استغلالا وإفقارا وتجهيلا وفتنا لا تنتهي؟ منذ متى كانت فرنسا داعمة للجزائر؟ أليست هي سبب بلائنا بعبث أتباعها والذين ربطوا مصالحهم بمصالحها بمقدراتنا لأجلها؟ لقد تجاوز هذا الرئيس المستخف بنا وبمقدساتنا حدوده، وهو حينما يسيء للرئيس بإعلان “دعمه له للنجاح في الانتقال”، يسيء لنا جميعا كجزائريين.

واختتم مقري “إن الأغلبية داخل المجتمع لا تزال تقاوم النوايا الاستعماربة السيئة وإنما الخطر اليوم أصبح يأتي من داخل الدولة. ألم يئن الأوان للوطنيين من داخل الدولة والمجتمع وأصحاب الضمائر الحية والذين يدركون أن ثمة يوم للحساب عند رب العالمين أن يتحركوا لحماية البلد كما فعل أسلافهم في مواجهة الاستعمار”.

بقلم – د. عبد الرزاق مقري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: